بسم الله الرحمن الرحيم
الأجزجى مميش يُزور ويقبض البقشيش
الكوكايين صار دقيقاً للعجين
Exclusive
منذ ما يزيد على 86 عاماً مضت حدثت واقعة كانت مثار اهتمام وحديث كل الصحف والمجلات فى ذلك الوقت ... وكانت من ضمن المجلات التى ذكرت هذه الواقعة مجلة
" اللطائف المصورة" حيث نشرت تعليقاً على هذه الفضيحة وأفردت لها صفحة كاملة.
تعود أحداث هذه القضية إلى العشرينات من القرن الماضى حيث تّمَّ القبض على الأجزجى ( الصيدلى ) " مميش" وهو يتقاضى رشوة لأجل أن يُقَرِر فى تقرير فحصه
للمواد المُخدرة التى يُكلف بتحليلها من جهة البوليس فى ذلك الوقت والتى يتم ضبطها
لدى تجار المُخدرات بأن هذه المواد لَيسَت مُخَدِرة ولاضرر فى استخدامها.
ومن ثّمَّ يُصبح المتهم الذى ضُبِطت معه تلك المخدرات بريئاً ولا تُهمة له.
وصار هذا الصيدَلِّى معروفاً لدى كل كبار تجار المخدرات الذين كانوا يتصارعون
على إرضاءه بشتى السبل ولم يتاونوا عن بذل الرشاوى الباهظة له حتى ينالوا رضاه
وبالتالى يضمن الواحد منهم براءته من أى تهمة توجه له متى تم القبض عليه.
إلى أن عُرِف أمره وذاع بين التُجار صيته ووصل الأمر إلى البوليس فدبروا له المكيدة
وتم ضبطه فى معلمه وصار حديث الناس فى ذلك الوقت.
نأتى للتعليق الذى نشرته المجلة فى عددها الصادر فى ديسمبر 1927
حيث نشرت شعراً تحت عنوان " إمتى الموظف ينتبه لمركزه من غفلته"
للشاعر الكبير " محمود رمزى " والذى قال فيها:
الله يجازى الأجزجى .. اللى اتوحل فى عَملِته
خان أمته وخان صنعته .. وخان حياته وذمته
قالوا عليه اسمه مميش .. ياريته كان مايرتشيش
غَش الحكومة والبلد .. وباع وتاجر فى الحشيش
"مميش" ... أمير الكوكايين فى مصر وفى وادى القريش
وفى السموم إسمه اشتهر... وفى مصر زاعت شهرته
الله يجازى الأجزجى ...
خلا النيابة والبوليس .. فى حضرته متحيرين
والمجرمين فى نعمته .. مهيصين ومزأططين
لقوا مميش .. لويشتروه .. يصبح لهم أكبر مُعين
بقوا حماية معمله .. تنزل عليهم رحمته
الله يجازى الأجزجى ...
اللى يقَدِم له " الجنيه " ... يضمن نجاته والخلاص
يشهد شهادة فى معمله .. نافذة تمام زى الرصـاص
ويقول على الكوكايين .. دقيق وكل غش فى قدرته
كل ضباط البوليس .. بقت حالتهم فى خجل
قالوا بنضبط " كوكايين ".. عارفينه وازاى اتبدل
شكل الكوكايين يعرفوه .. حتى اللى بيبيعوا القلل
لازم " مميش " بيه اترشى .. والكشف يِظهِر رشوته ..
وكانت القصيدة مصحوبة برسم كاريكاتيرى أظهر براعة الرسام حيث يتضح فى الصورة مميش وهو واقف فى معمله وحوله المواد الجاهزة ليستخدمها فى التفاعلات
وبدل من أن يستخدم المواد الكيميائية .. استبدلها بالغش والتزوير والسرقة والكذب
ويكتب التقارير المضللة ..
وهكذا استخدم مميش علمه ومعمله فى الكذب والتزوير لصالح مصلحته الشخصية وأهمل كل القيم والمبادىء والمُثُل بل والدين وبحث عن مكاسب دنيوية زائلة وساهم
فى انتشار المخدرات ولعل ما فعله كانت عبرة لمن بعده.
ومع مُضى الأيام وتتابع السنون .. تَفَشى هذا الأمر فى بلادنا وزاد خراب الذمم والضمائر المُتمثل فى أكثر من نقطة لعل أعرج على هذه النقاط باختصار:
1. صار مجال العناية بالصحة بشقيه الطب والصيدلة ليس سوى مجالاً للربح والتجارة بل ويكأننا صِرنا فى حرب ضروس مشتعلة بين الغالبية العُظمى من الأطباء والصيادلة وأصحاب شركات الأدوية على الربح وتدفق الأموال والكسب سواء كان مشروعاً او غير مشروع إلا من رحم ربى وكل من اقترب من هذه المنظومة سيُدرك تماماً أن هذا الأمر صار مُتفشياً خصوصاً فى مصر..
2. انتشرت الرشوة فى كل مجالات الحياة وأصبحت فى صورة وباء من الصعب مقاومته فى كل الهيئات والمؤسسات حتى أكاد أجزم أنك لا تستطيع أن تقضى أى مصلحة لك فى أى مكان إلا وتَجبر على تكييش الموظف أو الظابط أو غيرهما
ورقة مظبوطة تدفسها له فى جيبه لينتعش ويقضى لك مصلحتك بنفس مطمئنة وبابتسامة تعلو وجهه وإلا ستُقابل بعكس ذلك تماما لو نفضت.
3. فَقَدَ الكثيرون التزامهم بالقيم الدينية التى تحض على الإخلاص والأمانة والصدق والحرص على الطيب من الرزق ونحوا كل ذلك جانباً وبحثوا بكل السبل عن الربح
والأموال غير مُبالين أم من حرام هى أم من حلال!
تنكبوا الصراط المستقيم .. واتبعوا أمر كل شيطان مريد .. وباعوا أخرتهم بدنيا زائلة
فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين.
* فلنحرص جميعاً على مراقبة الله فى كل أحوالنا ولا نتعجل الرزق ونسلك السُبل المشروعة وننأى عن أى موضع فيه شُبهة .. فإنما هى سويعات وتنقضى أعمارنا
وسنُسأل عن كل ما جمعنا من أين اكتسبناه وفيما أنفقناه
ورزقك ليس ينقصه التأنى ... وليس يزيد فى الرزق العناءُ
فاللهم ارزقنا رزقا حلالاً حسناً وبارك لنا فيه وجنبنا كل ما يغضبك وقربنا من كل ما يرضيك إنك بكل جميل كفيل وانت حَسبُنا ونِعمَ الوكيل.
وكتبه/ عبدالله صبرى عزام
كيميائى مصرى
5 سبتمبر 20013

0 التعليقات:
إرسال تعليق